الشيخ محمد رشيد رضا
87
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تزداد علما به كلما انتشر الضياء حتى يكون العلم به تفصيليا . والبرهان المنطقي المفيد لهذا اليقين عندهم لا تكون مقدماته النظرية في درجة الضروريات قوة وثباتا . وقد قسم بعضهم اليقين إلى ثلاث درجات علم اليقين وهو ما يعلم بالدليل ، وعين اليقين وهو ما يكون بالمشاهدة والكشف ، وحق اليقين وهو ما يكون بالذوق والوجدان . ومثل لها بعضهم بالفناء عند الصوفية ، وبعضهم بالموت ، فكل أحد عنده علم اليقين بأنه يموت فإذا عاين ملائكة الموت عند الحشرجة وقبل قبض الروح كان عين اليقين ، فإذا مات بالفعل وصل إلى درجة حق اليقين ، لكن هذه الدرجة وما قبلها لا يتعلق بهما التكليف . * * * ( 128 ) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 129 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * * * ختم اللّه تعالى هذه السورة بهاتين الآيتين اللتين قال أبي بن كعب ( رض ) انهما آخر ما نزل وبينا في الكلام على السورة قبل الشروع في تفسيرها ما يعارضه وسنحقق المسألة بعد الفراغ من تفسير الآيتين لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جمهور المفسرين على أن الخطاب هنا للعرب فهو في معنى قوله ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ) فالمنة به ( ص ) على قومه أعظم ، والحجة عليهم به وبكتابه أنهض ، وأخص قومه به قبيلته قريش فعشيرته الأقربون بنو هاشم وبنو المطلب ، ولو لم يؤمن به وبكتابه العرب لما آمن العجم ، وهو مبعوث إلى جميع الناس كما تقدم في قوله ( 7 : 158 قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) ولكنه وجه دعوته إلى الأقرب فالأقرب على القاعدة التي بيناها آنفا في قتال الأقرب فالأقرب ، فالعرب آمنوا بدعوته مباشرة والعجم آمنوا بدعوة العرب ، العرب آمنوا بفهم القرآن وبيانه صلّى اللّه عليه وسلّم له بالتبليغ والعمل ، وبما شاهدوا من آيات اللّه تعالى في شخصه ، والعجم آمنوا بدعوة العرب وما